مرّت بالأمس الذكرى الحادية عشرة للمذبحة التي ارتكبها فرع
ما يُعرف بـ تنظيم الدولة الإسلامية في ليبيا بحق عشرين مواطنًا قبطيًا مصريًا ومواطنٍ
غاني واحد. وكان الضحايا قد اختُطفوا في فترتين منفصلتين: الأولى في 30 ديسمبر/كانون
الأول 2014، والثانية في 3 يناير/كانون الثاني 2015. وفي 15 فبراير/شباط 2015، بثّ
التنظيم تسجيلًا مصوّرًا لعملية الإعدام ذبحًا، تحت عنوان: «رسالة موقعة بالدماء إلى
أمة الصليب».
قبل بثّ الفيديو بثلاثة أيام، نشرت مجلة دابق، الذراع الإعلامية
لتنظيم داعش والصادرة بعدة لغات، في عددها السابع (ربيع الآخر 1436هـ / 12 فبراير
2015)، مقالًا بعنوان «الثأر من اضطهاد الأقباط الصليبيين للمسلمات في مصر». وقد ادّعى
المقال أن عملية الاختطاف جاءت «ثأرًا» لما وصفه التنظيم بقضية كاميليا شحاتة ووفاء
قسطنطين، وباقي النساء اللواتي زعم تعرّضهن للتعذيب والقتل على يد الكنيسة القبطية
في مصر.
غير أنّ السؤال الذي لم يُطرح بما يكفي، أو تم تجاوزه سريعًا، يتعلّق بهوية القتلة أنفسهم: من خطّط؟ من أشرف؟ من نفّذ؟
لكن
أولاً: كيف نشأ تنظيم داعش في ليبيا؟
أعقبت
الحرب الأهلية الليبية عام 2011، التي انتهت بسقوط نظام العقيد معمر القذافي،
حالةٌ من التفكك الأمني وانتشار السلاح. في هذا السياق، توجّه عدد من المقاتلين
الليبيين إلى سوريا، حيث انضموا إلى جماعات مسلحة شاركت في الحرب ضد نظام بشار
الأسد. وفي عام 2012، أعلنت إحدى هذه المجموعات تأسيس لواء "بتّار"،
الذي بايع لاحقًا تنظيم الدولة الإسلامية، وقاتل ضمن صفوفه في سوريا والعراق.
ومع مطلع
عام 2014، عاد ما يُقدَّر بنحو 300 من مقاتلي لواء "بتّار" إلى ليبيا،
حيث أسسوا في مدينة درنة فصيلًا جديدًا حمل اسم "مجلس شورى شباب الإسلام"،
وبدأوا في تجنيد عناصر محلية. وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، أوفدت القيادة
المركزية لتنظيم داعش وفدًا إلى ليبيا، ضم شخصيات بارزة، من بينهم أبو نبيل
الأنباري، أحد مساعدي أبي بكر البغدادي، إلى جانب عناصر عربية أخرى لعبت دورًا
تنظيميًا ودعويًا.
وفي 13
نوفمبر/تشرين الثاني 2014، بثّ البغدادي تسجيلًا صوتيًا أعلن فيه قبوله بيعة
أنصاره في خمس دول، من بينها ليبيا، مُعلنًا تقسيم البلاد إلى ثلاث «ولايات»:
ولاية برقة شرقًا، وولاية طرابلس غربًا، وولاية فزان جنوبًا.
من هم المتورطون؟
أبو
المغيرة القحطاني (أبو نبيل الأنباري) - عراقي
يُعرَف أيضًا
بـ وسام نجم عبد زيد الزبيدي أو أبو يزن الحميري. كان لفترة طويلة أحد عناصر تنظيم
القاعدة، قبل أن ينضم إلى تنظيم داعش، ويتحول إلى زعيم الدولة الإسلامية في ليبيا.
وهو المشرف الرئيسي والعقل المدبر للعمليات. ويُعتقَد أنه قٌتِل في غارة جوية عسكرية
أمريكية على مدينة درنة شرق ليبيا في 13 نوفمبر 2015.
عبد
القادر النجدي (أبو معاذ التكريتي) – العراقي
يُرجَّح
أن عبد القادر النجدي، المعروف أيضًا باسم أبو معاذ التكريتي، كان أحد أبرز
القيادات الميدانية في فرع داعش الليبي، وأنه لعب دورًا محوريًا في الإشراف غير
المباشر على إنتاج فيديوهات الإعدام. وعلى خلاف عدد من قادة التنظيم الذين سعوا
إلى الظهور الإعلامي، اتّسم النجدي بالعزلة ورفض الظهور العلني، رغم امتلاكه خبرة
تقنية في مجال التصوير والإخراج الدعائي.
أُرسل
النجدي إلى ليبيا أواخر عام 2014 من قبل القيادة المركزية للتنظيم، وتولي رئاسة
التنظيم لاحقًا خلفًا لأبي نبيل الأنباري الذي قُتل في غارة أمريكية. وأسهم، بحسب
تقارير دولية، في إعادة هيكلة التنظيم داخل ليبيا، وتحويله من مجموعات متفرقة إلى
كيان يفرض سيطرته على مدن مثل درنة وسرت.
وفي
مارس/آذار 2016، ومع تراجع نفوذ داعش تحت ضربات التحالف الليبي، أُعلن النجدي
أميرًا عامًا لما تبقى من التنظيم في البلاد. ولم تتكشف تفاصيل دوره في عمليات
الإعدام المصوّرة إلا في أواخر عام 2017، عقب اعترافات أدلى بها عناصر معتقلون. أحد هؤلاء، الليبي هاشم
أبو سدرة، أقرّ بأن النجدي كان يدير عملية الإعدام من مدينة سرت، ويصدر أوامره
للمسلحين الملثمين بسحب الضحايا، بملابسهم البرتقالية، على الشاطئ، وتوجيه أحدهم – أبو عمر الجزراوي المتحدث بالإنجليزية- لتهديد الغرب أمام الكاميرا.
وبحسب
تقارير أمريكية وليبية رسمية، قُتل عبد القادر النجدي في سبتمبر/أيلول 2020 خلال
عملية عسكرية في مدينة سبها.
أبو
عمر الجزراوي – السعودي
في
فيديوهات إعدام الأقباط والأثيوبيين، برز مسلح يتحدث الإنجليزية بطلاقة، تولّى
توجيه رسالة تهديد إلى الغرب ويُشير بسكينه للكاميرا، قبل أن يبدأ تنفيذ القتل
بنفسه، سواء بالذبح أو بإطلاق النار. في البداية، ساد الاعتقاد بأنه غربي أو ليبي
نشأ في الخارج، غير أن التحقيقات اللاحقة حدّدته باعتباره السعودي أبو عمر
الجزراوي.
تشير
لهجته إلى أنه قضى سنوات من شبابه في أوروبا أو أمريكا الشمالية (على الأرجح كندا)،
وهو ما يُرجّح أنه أهّله للقيام بالدور الإعلامي المركزي في الفيديوهات. ووفقًا
لتقارير استخباراتية غربية ومصادر ليبية رسمية، قُتل الجزراوي في غارة جوية
استهدفت مدينة سرت عام 2016.
هاشم
أبو سدرة – الليبي
شغل منصب
أمير ديوان الهجرة والحدود في تنظيم داعش، وكان مسؤولًا عن الجوانب
اللوجستية للعملية، بما في ذلك تجهيز السيارات وموقع الدفن. كما شارك فعليًا في
عملية الذبح بصفته أحد الملثمين. أُلقي القبض عليه في يناير/كانون الثاني 2024 على
يد القوات الليبية، وأدلى باعترافات مفصلة.
المهدي
سالم دنقو (أبو بركات) – الليبي
ظهر اسم
المهدي دنقو بوصفه «العقل المدبر» للعملية في سبتمبر/أيلول 2022، عقب مقتله في
عملية أمنية جنوب ليبيا. وسبق لرئيس جهاز التحقيقات الليبي عام 2018، الصديق
الصور، أن تحدث عن قيادته لتشكيل عسكري تابع لداعش في الصحراء الليبية. غير أن
اسمه لم يُربط مباشرة بعملية ذبح الأقباط قبل ذلك التاريخ، ولا توجد مصادر مستقلة،
خارج البيانات الرسمية، تؤكد دوره المركزي في التخطيط للجريمة.
هشام
العوكلي – الفلسطيني
هشام
إبراهيم عثمان مسمّح، من أصول فلسطينية، وُلد في درنة عام 1982، ويُلقّب
بـ«ديناصور داعش». أُلقي القبض عليه أواخر 2017، واعترف بمشاركته في جمع الجثث
ونقلها لدفنها على بعد 12 كيلومترًا جنوب سرت، كما أقرّ بوجود عناصر من جنسيات
تونسية وسنغالية ضمن فريق التنفيذ. وأشار إلى مشاركته في الوقوف خلف الكاميرات
أثناء التصوير، وذكر أسماء أخرى لم يُثبت تورطها بوثائق مستقلة منها أبوعبدلله
التشادي، ومحمد تويعب أمير ديوان الإعلام
وأبو عبيد عزيز الأنباري وليد الفرجاني وجعفر عزوز وأبو ليث النوفلي وحنظلة التونسي
وأبو أسامة التونسي وأبو حفص التونسي.
أطراف
أخرى وأحكام قضائية
كشفت
التحقيقات عن دور شخص يُدعى أبو عبد الله أحمد الحمالي في إدخال معدات تصوير حديثة
من تركيا عبر مطار معيتيقة في طرابلس. كما أعلنت النيابة العامة الليبية في سبتمبر
2017 القبض على أحد أعضاء التنظيم والذي شارك في العملية وتم عن طريقه تحديد أماكن
الجثامين. وقدم تم وصفه عن طريق النيابة العامة أنه مُصور العملية، ويُحتمل أن
يكون هو هشام العوكلي.
وفي 29
مايو/أيار 2023، أصدرت محكمة ليبية أحكامًا بالإعدام بحق 23 شخصًا، وبالسجن المؤبد
على 14 آخرين، لدورهم في جرائم داعش عام 2015، بما في ذلك مذبحة الأقباط والسيطرة
على سرت. وحتى اليوم، لم تُعلَن أسماء المحكوم عليهم.
على
الأرجح لم ينج أحد من اللذين ارتكبوا تلك الجرائم ضد الإنسانية. لكن، لم ينته
تنظيم داعش إذ أعاد تموضعه مرة أخرى لكن هذه المرة في الصومال، بينما أعاد تنظيم القادة
تموضعه في منطقة الساحل (تشاد، النيجر، مالي، وشمال نيجيريا).
الصورة
صفحة من
مجلة "دابق" العدد السابع (ربيع الآخر 1436ه)
المصادر
https://libyasecuritymonitor.com/27-sept-4-oct-ag-releases-warrants-for-isis-fighters/
https://www.dni.gov/nctc/terrorist_groups.html
https://www.dni.gov/nctc/terrorist_groups/isis_libya.html
https://edition.cnn.com/2015/02/16/africa/isis-libya-north-africa/
https://libyaherald.com/2016/02/confessions-of-arrested-is-members/
https://web.archive.org/web/20150403002221/http://carnegieendowment.org/syriaincrisis/?fa=59268
https://www.spa.gov.sa/1731548
https://www.aljazeera.com/news/2023/5/29/libya-court-sentences-23-to-death-for-isil-campaign
https://www.aljarida.com/articles/1512670787361163000
