خوارزميات العلم الزائف: لماذا يُصدِّق الناس ضياء العوضي وأشباهه؟

 


في مساءِ يومٍ عادي، كانت امرأةٌ متعبة تتنقّل بين عشرات المقاطع القصيرة على هاتفها. طبيبٌ يتحدث بثقةٍ مطلقة، يرفع صوته قليلاً، يختصر المرض المعقّد في جلسة واحدة، ويقدّم للناس طريقًا يبدو أقرب إلى النجاة منه إلى العلاج. لا مختبرات، لا نسب مئوية، لا حديث عن احتمالات أو آثار جانبية أو تشخيصات تفصيلية. فقط يقينٌ جاهز، ومفرداتٌ مطمئنة، ووعودٌ تبدو أكبر من الواقع نفسه: "الشفاء التام." وهنا تحديدًا تبدأ القصة: الناس لا ينجذبون دائمًا إلى الأكثر دقة، بل إلى الأكثر قابلية للتصديق نفسيًا، والأكثر راحة اجتماعيًا، والأبسط في زمنٍ مرهقٍ ومزدحمٍ بالمعلومات.

في هذا السياق، صار اسم الدكتور ضياء العوضي (رحمه الله) حاضرًا بوصفه مثالًا على ظاهرة أوسع من شخص واحد. فبحسب تقارير صحفية مصرية، هو طبيب مصري وُلد عام 1979، وتخرّج في كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وعمل في التخدير والعناية المركزة وعلاج الألم، ثم اتجه لاحقًا إلى خطابٍ عن التغذية العلاجية والطب الوقائي عبر منصات التواصل، وطرح ما سمّاه "نظام الطيبات" الغذائي. وتذكر التقارير نفسها أن هذا الخطاب أثار انتقاداتٍ طبية واسعة، وأن نقابة الأطباء أعلنت في مارس صدور قرار بشطب اسمه من سجلاتها، فيما أعلنت وزارة الصحة لاحقًا غلق منشأته وإلغاء ترخيصه لمزاولة المهنة. كما أشارت تقارير أخرى إلى أن حضوره الرقمي كان واسعًا على فيسبوك وإنستغرام، وهو ما منح رسائله دائرة انتشار كبيرة جدًا.

لم يكن ضياء العوضي هو الأول، ولن يكون الأخير. ففي ذات سياق خوارزميات العلم الزائف، وإن كانت حالة الدكتور ضياء العوضي تمثل تهديداً صحياً تم التدخل لاحتوائه مؤسسياً عبر الإيقاف والإحالة للتأديب، فإن حالة الطبيب جودة عواد تمثل التجسيد الفعلي والمأساوي والموثق للنتائج الكارثية لهذا النوع من الممارسات. اقترن اسم الدكتور جودة عواد بشكل مباشر بواحدة من أكثر القضايا إيلاماً واستنفارًا للرأي العام المصري، وهي تورطه في التسبب بوفاة فتاة صغيرة السن نتيجة اتباع بروتوكولاته العلاجية الزائفة والاعتماد على وصفاته التي استدعت التخلي عن العلاج الطبي المؤسسي المعتمد.

لكن السؤال الأهم ليس: ماذا قال ضياء العوضي؟ أو لماذا التجأ الناس لجودة عواد؟ بل: لماذا استمع إليه الناس أصلًا؟ هنا يُمكن استعارة العبارة التي وضعها الصحفي صلاح الدين حسن في صورة لقاءه الأخير مع العوضي على قناة ذات مصر: "شيخ الطائفة السرية Cult"، وهي عبارة استخدمها أيضًا في لقاء سابق مع العوضي.

الحقيقة أن العالم من حولنا لا يعمل فقط عبر الحقائق، بل عبر الثقة، والهيبة، والإقناع، والتكرار أو بتعبير ماكس فيبر "السلطة الكاريزمية." وصف ماكس فيبر "السلطة الكاريزمية" بأنها شكل من أشكال السلطة يقوم على صفات استثنائية يُنسبها الأتباع إلى القائد، ويمنحونه بسببها ولاءً يتجاوز القواعد والمؤسسات، حتى يصبح التأثير عاطفيًا أكثر منه عقلانيًا. من خلال هذا المعنى، لا ينجح بعض الخطاب الشعبي لأنه صحيح بالضرورة، بل لأنه يقدَّم في صورة "شخص يعرف ما لا يعرفه الآخرون"، أو "طبيب يقول ما يخشى غيره قوله." وهكذا هي "حالة" الدكتور ضياء العوضي ورفقاؤه.

تبدأوا أولى آليات الإقناع لدى هؤلاء من مبدأ "الثقة في الشخص قبل الفكرة." هم يُدركون أن كثير من الناس لا يبحثون عن البرهان العلمي، بل يكفيهم نبرة الصوت؛ لا يفحصون المنهج، بل يفحصون يقين المتحدث. بمعنى آخر، تتحول شخصية المتحدث إلى "برهانٍ مستقلٍ" في حد ذاتها. هذه ليست سذاجة أو حماقة فردية من المُتلقي، بل استجابة إنسانية عادية، تتكشف حينما يكون الأمل مفقودًا، واليأس مهيمنًا، والواقع الصحي مؤلمًا، والخوف حاضرًا. في قلب هذه الأزمة، يكون "المُدَعي الواثق" أكثر جاذبية من "المعرفة المرتعشة" التي لا تُقدم حلولاً قاطعة، ولا تعد بإجابة نهائية. هنا يستخدم العوضي ورفقاؤه السلطة الكاريزمية كأداة لا تقنع الناس بالعقل أو المنطق بقدر ما تسحبهم بالعاطفة والكاريزما، ثم تترك لهم عبء تبرير ذلك لاحقًا لأنفسهم.

الآلية الثانية هي التكرار. فالعقل البشري، في كثير من الأحيان، يخلط بين "المألوف" و"الصحيح." (وهي بالمناسبة جزء من استراتيجيات نشر المعلومات المُفبركة والزائفة) فالتكرار يؤدي إلى ظاهرة تُعرف بتأثير الحقيقة الوهمية، وبالتالي التصديق. والأخطر أن هذا التأثير لا يقتصر على المعلومات التافهة، بل يمتد إلى الأخبار المضللة ونظريات المؤامرة، بل وحتى إلى الادعاءات التي تناقض المعرفة السابقة لدى الناس. وفي العالم الرقمي، يتحول التكرار إلى عالم مُتكامل: الفيديو يُعاد نشره، والمقطع يُقتبس، والجملة تُختصر، ثم يراها المستخدم في أماكن متعددة حتى تصبح مألوفة، والمألوف يبدو غالبًا معقولًا. باختصار لا يحتاج الخطاب المضلل أن يكون "أكثر إقناعًا" فقط، بل أن يكون "أكثر حضورًا."

تشير منظمة الصحة العالمية إلى أن المعلومات المضللة قد تنتشر أسرع وأوسع وأعمق من الحقيقة، وأن بعض المنصات تجعل الأخبار الكاذبة أكثر قابلية للمشاركة من الأخبار الدقيقة. وهذه النقطة بالذات تفسّر لماذا ينجح صاحب الخطاب الحاد، لا الهادئ؛ ولماذا ينتشر من يختصر تعقيد الطب في عناوين صادمة، مقابل من يشرح العلم بصورة منطقية وهادئة. يُمكن على سبيل المثال مقارنة أعداد مشاهدات لقاءات ضياء العوضي على قناة يوتيوب في مقابل مشاهدات برنامج رصين مثل "الاسبتالية" للدكتورة إيمان الإمام. في الاقتصاد الرقمي، الانتباه هو العملة، والصيغة الأكثر قابلية للضغط والمشاركة هي الأقدر على البقاء. لذلك فالرسالة العلمية الرصينة لا تنافس الرسالة الشعبية في المحتوى فقط، بل في التصميم نفسه: الأولى تتطلب تركيزًا، والثانية تطلب نقرة.

ويجب أن يُضاف إلى ذلك عامل نفسي شديد الأهمية: الناس تميل إلى اتباع الآخرين حين تكون غير واثقة من نفسها أو من قرارها. وتبيّن دراسات في السلوك الاجتماعي أن "الدليل الاجتماعي" يكون أكثر فاعلية عندما لا تكون لدى الفرد تفضيلات واضحة سلفًا. في السياق الصحي، هذا يعني أن الشخص المرهق من الأعراض، أو الخائف على نفسه أو على طفله، أو المحبط من تجربة علاجية سابقة، أو الذي يرزح تحت أثقال تكلفة العلاج، يصبح أكثر قابلية للاسترشاد بما يفعله الآخرون: ما الذي جرّبه الناس؟ من الذي مدحه الجمهور؟ من الذي كتب "جرّبت هذه الوصفة فشفيت"؟

أما البعد الثالث، وهو أعمق من الإقناع المباشر: فهو "أزمة الثقة." كثير من الناس لا يرفضون العلم لأنهم يكرهون العلم، بل لأنهم يشعرون أن الوضع الصحي الرسمي بعيدٌ، معقّدٌ، بطيء، مُكلف، وغير قادر على مخاطبتهم بلغةٍ إنسانية. هنا تظهر فجوةٌ معروفة بين "المعرفة العلمية" و"المعرفة الشعبية" نتيجة العجز المؤسسي، وتآكل الثقة في المنظومة الصحية الحكومية والخاصة. ومن المهم أن منظمة الصحة العالمية تميّز بين المعلومات المضللة التي تُنقل بحسن نية، وبين التضليل المقصود الذي يُصاغ عمدًا لخداع الجمهور، كما تؤكد أن كلاهما قد يضر بصناعة القرار وبالصحة العامة. وفي بيئات الاضطراب هذه، يزداد الإقبال على الصوت الذي يبدو مباشرًا وحاسمًا، حتى لو كان هذا الحسم نفسه مريبًا علميًا.

لذلك، فإن "ظاهرة ضياء العوضي وأشباهه" ليست مجرد قصص لأطباء اختلف معهم زملاؤهم أو اختلفت معهم النقابة. بل هي قصة سوقٍ اجتماعي كامل يُنتج الطلب على اليقين السهل. فهناك الجمهور خائف من المرض، والآخر الناقم على عجز المؤسسات الحكومية، وجشع رأسمالية المؤسسات الخاصة، وثالث يبحث عن علاجٍ يَعِدُه بالسيطرة على جسده وعالمه في آنٍ واحد. وهناك أيضًا اقتصادٌ "الطب الزائف" الذي يُقدم نفسه بالصوت الحاد، والصورة السريعة، والرسالة التي يمكن أن تُختزل في عشر ثوانٍ. في هذا المناخ، لا يعود السؤال: هل هذا الكلام صحيح؟ بل: هل يبدو مطمئنًا؟ وهل يوافق ما أريد أن أصدقه؟ وهل من قاله شخص يملك حضورًا كافيًا لأتّبعه؟

المفارقة أن العلم، في جوهره، لا يعد الناس بالبساطة. إنه يطلب منهم التحقق. هو لا يقول "اتبعني لأنني أملك يقينًا جاهزًا"، بل يقول "تحقق، قارن، راجع، واسمح للنتائج أن تُصحّح نفسها." ولذلك يبدو العلم لدى معظم الناس أبطأ وأقل إثارة من الوعود المطلقة والرنانة. لكنه أيضًا في المقابل أكثر احترامًا لتعقيد الإنسان وسلامته النفسية والجسدية. على الجانب الآخر، فالخطابات الشعبوية خاصة في مجال الصحة، تبسط وتختزل التعقيد، وتريح من تحويل التحفظ العلمي إلى عجز، والتواضع المنهجي إلى ضعف: "لا يوجد ما يسمى مرض السرطان"، "هذه الأمراض هي صناعة البيج فارما"، إلخ. وهذه هي النقطة التي يجب أن يتأملها المجتمع بجدية: ليس كل من تكلم بثقةٍ صار جديرًا بالتصديق، ولا كل من انتشر صار معبّرًا عن الحقيقة. لكن، ما هو أكثر خطورة في الخطاب الزائف أنه يمنح شعورًا سريعًا بالمعنى في عالمٍ متعبٍ ومرهق ويبدو لكثيرين خاليًا من المعنى، وليس لديه إجابة واضحة لمشكلة الألم والمعاناة.

وفي النهاية، فإن السؤال عن ضياء العوضي هو سؤال عنّا نحن أيضًا: عن خوفنا، وعن ارتباكنا، وعن حاجتنا إلى من يختصر لنا الطريق بين الألم والخلاص. الناس لا تُخدع دائمًا لأنهم جهلة، بل لأنهم بشر؛ والبشر في لحظات الوهن يميلون إلى الصوت الذي يعدهم باليقين، لا إلى نهج العلم الذي يطلب منهم الصبر. هي معركة بين منطقين: منطق الحقيقة المرهقة، ومنطق الطمأنة السهلة. والأول، وإن تأخر، يبقى أكثر وفاءً للإنسان.

إرسال تعليق

أحدث أقدم