من مشروع النقد الاجتماعي إلى سيادة الهيمنة الذكورية: تحولات عادل إمام

 


بالتأكيد عادل إمام ليس نجم شباك تقليدي، بل هو نموذج للنجم "الظاهرة" أو "الزعيم" القادر على إعادة تشكيل نفسه مع كل تحوّل اجتماعي وسياسي عرفته مصر تقريبًا منذ السبعينيات وحتى اليوم. وقد جعله هذا حاضرًا في وعي أجيال متتالية ومتناقضة، من جيل الانفتاح الساداتي، وجيل صعود الإسلام السياسي، ثم جيل الأزمات الاقتصادية، إلى أجيال أفلام المقاولات والفضائيات والإنترنت والسينما التجارية والجامعات الخاصة.

يُمكن القول إن أفلام عادل إمام قبل الألفية، أو قبل بدء التعاون مع يوسف معاطي إن جاز التعبير، كانت تقدم نوعًا من النقد الاجتماعي، ليس بصيغة أيدولوجية فجة، بل عبر كوميديا "المواطن العادي" الذي يجد نفسه مسحوقًا داخل منظومة أكبر منه. في معظم هذه الأفلام استخدم عادل إمام شخصية "النصاب الذكي" أو "الفتوة الشعبي" أو "الموظف المطحون" للتنقل بين الطبقات الاجتماعية كلها؛ وهذا أعطى أفلامه قدرة استثنائية على التقاط اللغة اليومية، والنكات الشعبية، وحتى إحباطات الناس الصغيرة جدًا. وإلى حدٍ كبير يُمكن القول أيضًا إن أفلام عادل إمام فيما قبل الألفية، حاولت تقديم "سردية كُبرى"، حتى وإن لم تكن متعمدة، أو مُعلنة نظريًا بالمعنى الليوتاري الصارم لمشروع الفني، بل بوصفها منظومة قيم ومخاوف متكررة تشكّل عموداً فقرياً غير مُصرَّح به يربط أعماله في تلك الحقبة ببعضها. فقد كانت هناك رؤية مُتكررة للعالم، وشخصية اجتماعية ثابتة تقريبًا، وصراع دائم بين الفرد الشعبي ومؤسسات السلطة البيروقراطية. لكن، ومع ذلك انزلقت بعض أعماله في التسعينيات نحو الترفيه البحت دون ثقل تحليلي للظواهر اجتماعية.

لكن، يجب الالتفات أن المشروع النقدي عند عادل إمام لم يكن ثوريًا بمعنى الرغبة في إسقاط "منظومة" وإعادة "تأسيسها"، بل كان أقرب إلى "التنفيس الاجتماعي." فعادل إمام كان يعمل دائمًا داخل مساحة مسموح بها ضمنياً، في اتفاق غير مكتوب بينه وبين النظام الحاكم. لم يتجاوز عادل فيها الخطوط الحمراء الكبرى (السياسة المباشرة، الجيش، رأس النظام). بل اقتصر نقده ضد منظومة البيروقراطية، والتطرف الديني، والفساد الصغير والمتوسط، لكنه نادراً ما لامس البنية الأعمق للسلطة السياسية القابعة وراء تلك الأزمات الاجتماعية.

تأسيس النقد الاجتماعي

كانت الانطلاقة الفنية الحقيقية لعادل إمام هي مسرحية "مدرسة المشاغبين" (1971) للكاتب علي سالم، والتي مثلت نقطة تحول ليس فقط في تاريخه الفني، بل في التحول الحداثي للمسرح المصري. فبعد هذه المسرحية كتب النقاد عن عادل إمام بوصفه مشروع لكوميديان عظيم. ورغم الانتقادات الشديدة التي طالت المسرحية آنذاك بادعاء أنها كان دعوة للتمرد على القيم الأخلاقية، إلا أنها كانت في جوهرها نقداً لاذعاً للمنظومة التعليمية، وقدمت قراءة مبكرة لكيفية تعامل المجتمع مع جيل جديد متمرد، محملة بإسقاطات سياسية واجتماعية.

أما في أفلامه فقد كان المحور الذي يعود إليه عادل إمام مراراً وتكرارًا في أفلام حقبة ما قبل الألفية هو شخصية الرجل البسيط، المتوسط الحال أو الأدنى منه، الذي يصطدم بنظام يُفترض أنه يحميه لكنه يسحقه في الواقع.

يذهب معظم النقاد إلى أن الانطلاقة الحقيقية السينمائية لعادل إمام هي فيلم "رجب فوق صفيح ساخن" (1979)، خصوصًا بعد أن حقق أعلى إيرادات في ذلك الوقت برقم خيالي يقرب من 113 ألف جنيه. لكن، وبعيدًا عن "إيرادات الشباك" فالواقع أن فيلم "إحنا بتوع الأتوبيس" (1979) يُمثل البداية الحقيقية للمشروع النقدي الذي خاضه عادل إمام. يدور الفيلم -والذي كتبه فاروق صبري عن قصة حقيقية ذكرها الصحفي جلال الدين الحمامصي في كتابه «حوار خلف الأسوار» - عن التعذيب الذي حدث في مصر إبان الحقبة الناصرية، بالإضافة للمشاكل الاجتماعية كالخوف والإحباط وانكسار الأمل باعتبارها أبرز السمات التي طبعت العهد الناصري. كان هذا الفيلم هو أهم فيلم بعد فيلمي "العصفور" (1972) ليوسف شاهين، و"الكرنك" (1975) لعلي بدرخان الذي يُقدم نقدًا واضحًا للحقبة الناصرية. تاليًا، احتفظ عادل إمام في فيلمه "رجب فوق صفيح ساخن" (1979) بنفس صورة البطل. "رجب" فتي من الفلاحين، المسحوق والمضطهد والمخدوع من الجميع.

أما في فيلم "الحريف" (1983) فقد قدم عادل إمام نموذج الرجل الذي تَشَكل على وعود جيل الخمسينيات والستينيات (التنمية، الكرامة، الدولة الراعية) ثم وجد نفسه في مصر الانفتاح والفساد المنظّم والفجوات الطبقية الصارخة. وفي فيلم "الغول" (1983) ناقش قضية العدالة المفقودة، حين يتحدى الصحفي البسيط سطوة رجل أعمال فاسد يظن أن أمواله تضعه فوق القانون؛ ليقدم مشهد نهاية عبقري بضربة "ساطور" تطيح برأس الفساد، في كناية واضحة عن اليأس من الآليات القانونية التقليدية. لاحقًا، قدم عادل إمام نقدًا اجتماعيًا أكثر جراءة في "رمضان فوق البركان" (1985) حيث القانون يحمي الخارجين عليه، ويستسلم البطل للفساد المحيط الذي لا يُمكن التغلب عليه. يُشير وولتر أرمبرست في دراسة بعنوان " الإرهاب والكباب.. رؤية "كاپراوية" لمصر الحديثة" أن فيلم "رمضان فوق البركان" يعبِّر عن الإذلال التام التي تتعرض إليه الطبقة الوسطى، والذي يتبعه استسلام واعٍ للمادية بدون أي محاولة لاسترجاع القيم والعُرف، أو للإيحاء بأي إحساس بالندم عند البطل."  ويُضيف إرمبرست عبارة أيقونية: "في "رمضان فوق البركان"، ليست الخلاصة أن الغايات تبرر الوسائل فقط، بل أن الوسائل نفسها عَرَضية تمامًا." أم في فيلمه التالي "كركون في الشارع" (1986) فقد نقد لأزمة السكن الطاحنة، حيث يبني البطل مهندس الديكور منزلاً خشبياً متنقلاً فوق سيارة هرباً من تحكم أصحاب العقارات، لكن القانون يقف ضده بدلاً من حمايته. أما البداية الحقيقية مع الكاتب البارع وحيد حامد فقد كانت مع فيلم "الإرهاب والكباب" (1992) -كان عادل إمام قد تعاون مع وحيد حامد في فيلمين سابقين هما "الغول" (1983) و"الهلفوت" (1985)- لكن، كانت انطلاقتهما الحقيقية معًا هي في فيلم "الإرهاب والكباب." في الفيلم فقد لخص عادل إمام ووحيد حامد إجابة السؤال: من هو الإرهابي الحقيقي؟ هل المواطن اليائس أم النظام البيروقراطي الفاسد الذي يدفعه إلى هذا الجنون؟، ثم قدما "اللعب مع الكبار" (1991) عن سياسة الانفتاح وفساد الكبار. ثم "الإرهابي" (1994) حيث الخطر ليس الفرد المتطرف فقط، بل المجتمع الذي أنتجه. وفي كل من فلمي "الإرهابي" (1994) و"طيور الظلام" (1995)، لم يكن وحيد حامد يسخر من التطرف الديني بطريقة ساذجة، بل يقدمه كنتيجة حتمية للإفقار والتهميش الذي يعاني منه المجتمع. وقدَّمَا في فيلم "طيور الظلام" (1995) محاميين تخرجا من نفس الكلية، أحدهما (فتحي نوفل) يركب موجة الانتهازية السياسية مع الحزب الحاكم، والآخر يتحالف مع جماعات الإسلام السياسي لتحقيق مكاسب شخصية تحت شعارات دينية. بيّنَ هذا الفيلم تحديدًا أن كل من الطرفين هما وجهان لعملة واحدة تستغل آلام الفقراء. ربما حتى في فيلم "النوم في العسل" (1996) الذي مثل فيه صورة المواطن الذي يطالب بحقه البديهي وسط وباء من العجز الجنسي في نقد قوي لسياسة القهر الذي يدفع في النهاية للصدام، ثم سياسة "الطرمخة" و"كل شيء تمام"، وقدم تحذير واضحًا في حوار أيقوني وإن كان فيه مباشرة، دار بين البطل العميد مجدي (عادل إمام) والدكتور أحمد الأيوبي (الطفي لبيب). واستكمل عادل إمام فيلم "بخيث وعديلة" في جزئه الثاني "الجردل والكنكة" (1997).

في رأيي، إن ما يجعل أفلام إمام في تلك الحقبة أكثر من مجرد ترفيه هو أنها وثّقت لحظة تاريخية بدقة غير مقصودة. شاهد تلك الأفلام اليوم، وستجد فيها صورة حية للمجتمع المصري في مرحلة التحولات الاقتصادية ما بعد الانفتاح، وما أفرزته من توترات طبقية وأزمات هوية وإحباطات مدنية. هذه الأفلام لم تكن مثالية. فيها تبسيط في أحيان، وعمق تحليلي في أحياناً أخرى. لكنها كانت تُعالج أسئلة حقيقية كانت تشغل المجتمع المصري: الإرهاب الديني، الفساد البيروقراطي، تفكك المنظومة الأخلاقية للطبقة الوسطى.

نقطة الانعطاف

لا يوجد تاريخ واحد يمكن تثبيته بدقة لانعطاف مشروع عادل إمام النقدي وتفككه. التحولات الثقافية لا تعمل بهذا الوضوح. لكن في مطلع الألفية الثانية، وتحديداً مع تكثّف الشراكة مع يوسف معاطي، تخلى عادل إمام عن خط النقد الاجتماعي وتفككت "السردية الكبرى" التي حكمت، ولو بطريقة غير مقصودة، أفلامه السابقة، ليظهر نمط مُختلف.

ما ميّز أفلام معاطي مع إمام ليس مشهداً بعينه يمكن عزله واتهامه. الأمر أدق: إنه نمط متكرر يعمل بالتراكم. ربما، في فيلم "الواد محروس بتاع الوزير" (1999)، والذي قدم فيه عادل إمام شخصية المواطن البسيط الذي يرتبط بعلاقة قديمة بوزير كبير. ورغم أن الفيلم حاول الحفاظ على قشرة من "الكوميديا السياسية" التي تنتقد الفساد الإداري والمحسوبية، وحقق نجاحاً اعتبره البعض بداية مرحلة جديدة، إلا أنه حمل في طياته إرهاصات التحول نحو التسطيح الدرامي والاعتماد على المفارقات الساذجة.

لكن الانعطاف الكبرى، والتدشين الحقيقي والصارخ لـ "سينما الاستهلاك"، تجلى بوضوح لا لبس فيه مع فيلم "التجربة الدنماركية" (2003). حقق الفيلم إيرادات ضخمة بلغت 16 مليون جنيه، واضعاً عادل إمام مجدداً في منافسة شرسة مع النجوم الجدد؛ إذ حقق فارقاً بسيطاً عن فيلم "اللي بالي بالك" لمحمد سعد (الذي كان نجم الشباك الأول آنذاك)، واستطاع أن يتفوق على فيلم "عسكر في المعسكر" لمحمد هنيدي. كان التحول ليس فقط في "الهدف" بل أيضًا في طبيعة الكوميديا، فمن الكوميديا السوداء الساخرة من الواقع الأليم والدافعة للتفكير، إلى كوميديا "الإيفيهات" الجنسية المبطنة، والتحرش اللفظي والبصري المباشر.

كان عادل إمام بارعًا في اختيار يوسف معاطي ككاتب، فيوسف معاطي كان ماهرًا في قراءة المنطق الجديد لتحول السينما نحو السؤال الأهم: "كم تجني؟" بدلاً من "ماذا تُقدم؟"

في فيلم "التجربة الدنماركية" يتحول البطل في مشروع عادل إمام السينمائي من "البطل الشعبي" المواطن المطحون وقضاياه الاجتماعية، والحكومي الفاسد الذي يجب استئصاله إلى بطل "الهيمنة الذكورية"، حيث يتم وتكريس نمط معين من "الرجولة" باعتباره النموذج المعياري الأعلى، في حين يتم تهميش وإخضاع النماذج الذكورية الأخرى. في مقال لهدير جمال وآية ياسر أطلقا على عادل إمام "زعيم المسيئين للنساء" الذي يجلس على عرش متحرشي النساء في كل أفلامه ومسرحياته. وتقدمان أمثلة لإثبات وجهة نظرهما: "في فيلم "التجربة الدنماركية"، قرص فخذ رجاء الجداوي، بينما في "بخيت وعديلة"، تحسس بشكل غير لائق ساق شيرين تحت الطاولة. وفي "السفارة في العمارة"، استغل الناشطة السياسية داليا البحيري من خلال تسليعها هي وعائلتها كمجرد أشياء للرغبة الجنسية.... استمر سوء سلوكه في "بوبوس"، حيث تحسس يسرا... في "حنفي الأبهة"، لم يكتفِ بضرب مؤخرة موظفة في المطعم... وفي "الواد سيد الشغال"، سخر من الطبقة الراقية بلمس أجساد السيدات بطريقة مهينة. علاوة على ذلك، في "مرجان أحمد مرجان"، انتهك خصوصية أستاذة جامعية تدرس أبناءه، وتحرش بها بشكل غير مباشر من خلال إقحام أسئلة وقحة حول ملابسها الداخلية في حديثه. في "الإرهابي"، صفع مرارًا فخذ حنان شوقي أثناء لعبة ورق. علاوة على ذلك، في "الواد محروس بتاع الوزير"، قفز في حوض استحمام زوجة الوزير أثناء تواجدها فيه، واحتك بها تحت الماء، ثم أمسك عنوة بوفاء عامر -التي تلعب دور خادمة الوزير- وألقاها في حوض الاستحمام معهما، قبل أن يتجول بينهما."

في الواقع لا يُمكن تجاهل أن عادل إمام استخدام "التحرش الجنسي" و"التنمر" و"تسليع المرأة" في أعماله ما قبل الألفية، لكنها لم تكن تَعْمَل كدور أساسي في الأفلام، لكن في أفلام ما بعد الألفية -أو الحقبة "المَعَاطِيَّة" إن جاز التعبير- لم تعد المرأة في هذه الأفلام مجرد شخصية ثانوية أو إطار لحبكة الرجل، بل أصبحت جزءًا أساسيًا من آليات الإنتاج والاستهلاك الجنسي، حيث تُقدَّم المرأة أساساً كمحرّك للكوميديا عبر جسدها أو جهلها أو خضوعها للرغبة الذكورية.

تتوالى هذه الشخصية في عوالم ثنائية "عادل/معاطي" حيث يتم ترسيخ هذه "الهيمنة الذكورية" للنجم الأوحد "عادل إمام"، سواء كان وزير الشباب الأرمل "قدري المنياوي" في "التجربة الدنماركية"، أو رجل الأعمال الفاسد المتهرب من الضرائب في "مرجان أحمد مرجان"، أو مهندس البترول وزير النساء في "السفارة في العمارة." هي دائماً شخصية بطريركية (أبوية) مطلقة. إنها شخصية تحتكر النفوذ، المال، السلطة الأبوية، والأهم من ذلك كله: الفحولة التي لا تُقهر والتي لا تشيخ، بل تُقزّم أيضاً النماذج الذكورية الأخرى (الأبناء، المنافسين، الشباب العاديين) لصالح "الزعيم" الذي يمتلك وحده، بحكم مكانته وشرعيته، حق الوصول المطلق إلى المرأة وجسدها. قدَمَت هذه الأفلام المرأة كوسيلة تحقيق غاية ذكورية، وجائرة يسعى إليها البطل في سلسلة من مشاهد "التحرش الجسدي" و"التنمر" و"الإيحاءات الجنسية اللفظية"، ويتم تقديم كل هذا ويقدمه كـ"مزحة" أو "خطأ فهم" أو بعبارة الكاتب أحمد لطفي قدمت "الجنس عبارة عن موقف كوميدي"، مما يؤدي إلى تطبيع هذا السلوك في الوعي الجمعي.

في مقال لعزة عبد الحميد، تشير أن "عادل إمام هو أحد الممثلين الذين ظهروا على الشاشة في أكثر الأدوار "تحرشًا" على محمل "الكوميديا". وفي 17 مايو 2020، غردت بهيرة أمين،  نائبة مدير مكتب وكالة الأنباء الفرنسية (AFP) في مصر والسودان، قائلة: "إذا استبعدت التحرش الجنسي والاعتداء الصريح في أفلام عادل إمام، فسيبقى له نكتتان طوال مسيرته المهنية." نُشرت العديد من المقالات الأخرى التي تتهم إمام بلعب أدوار "زير نساء" في كثير من الأحيان، وأداء "إيحاءات معادية للمرأة" ظاهرة.

المشكلة الكبرى في تحول إمام، أن تحوله جاء في لحظة كان فيها "بطلاً مُحصنًا من المُراجعة" ولديه "رأس مال رمزي" يسمح له بتمرير أي شيء دون أن يُقابل بمقاومة تُذكر. وكان يُدرك ذلك تمامًا، في مواجهة مأزق الحفاظ على عرشه الأوحد في ظل تغير ديموغرافية الجماهير. عادل إمام ليس شخصاً ساذجاً أُغري بعقد مُجزٍ ولم يدرك ما يفعل. فهو يعرف جيدًا الفارق بين بين المشهد الذي يُعلي من شأن الدراما والمشهد الذي يبيع فيلمًا تجاريًا. وحينما وافق على مشهد بعينه، أو حين اختار التعاون مع كاتب بنمط معين، كانت هذه اختيارات واعية لا عشوائية.

في الثمانينيات والتسعينيات تحديدًا، ظهر عادل إمام كصوت للطبقة الوسطى المتآكلة والطبقات الشعبية القلقة. البطل عنده غالبًا مهزوم اجتماعيًا لكنه يمتلك "ذكاء الشارع" والسخرية كأداة مقاومة. الموظف الفقير، المدرس، المحامي الصغير، الشاب المحبط، المواطن الذي تصدمه البيروقراطية أو النفاق الديني أو فساد الأغنياء. ومع الألفية بدأ هذا المشروع يضعف تدريجيًا. ليس فجأة، بل عبر تحول بطيء. صار الجسد الأنثوي والاستهلاك البصري جزءًا أكبر من المعادلة التجارية، وبدأت الأفلام تعتمد على الكاريزما الشخصية لعادل إمام أكثر من اعتمادها على رؤية اجتماعية متماسكة. ربما لهذا السبب يتذكر الناس عادل إمام "الإرهابي"، "أمير الظلام"، "المنسي"، و"الإرهاب والكباب" أكثر بكثير مما يتذكرون "عريس من جهة أمنية"، "مرجان أحمد مرجان" و"بوبوس."

ربما لم ينس الجمهور تصدي عادل إمام الشجاع للإرهاب في ذروة صعوده، ليس فقط عبر أفلامه لكن أيضًا عبر ذهابه إلى أسيوط لعرض مسرحيته "الواد سيد الشغال" متحدياً رصاص المتطرفين، وعبر تجسيده العبقري لشخصية "المواطن المصري البسيط" المهروس بين مطرقة الفساد الحكومي وسندان التطرف الديني. لكن، مع الأجيال الجديدة، ستخلط هذه السيرة بسيرة التحول، وربما ستتسلل تلك السقطات الفنية شيئًا فشيًا إلى صدارة السيرة.

إرسال تعليق

أحدث أقدم