هل نحن وحدنا في الكون؟ وماذا يعني هذا لإيماننا المسيحي؟

في أحد مشاهد فيلم "اتصال (Contact)" (1997) بطولة "جودي فوستر" و"ماثيو ماكونهي" تسأل الطفلة "إيلي" والدها "تيد" قائلة: "هل تعتقد أن هناك إناسًا على كواكب أخرى؟" توقف تيد قليلًا، وابتسم أمام فضول ابنته الذي لا ينضب. ثم عاد وجلس على حافة سريرها، وقد غمر ضوء النجوم الغرفة، واجابها: "حسنًا، دعينا نفكر... الكون مكان شاسع للغاية. والشيء الوحيد الذي أعرفه عن الطبيعة هو أنها تكره إهدار أي شيء. لذلك أظن أنني سأقول: إذا كنا نحن وحدنا فعلًا، فهناك قدر هائل من الفضاء يذهب هدرًا بلا داعٍ."

عَبْر أحداث الفيلم، أُثير التساؤل الخاص بوجود الله، والكائنات الفضائية. وغالبًا ما أشير أن الفيلم يُمهد للصراعات التي ستظهر إلى الواجهة بين الدين والعلم إذا حدث "اتصال" مع كائنات فضائية. لكن صرح مخرج الفيلم آنذاك روبرت زيميكيس بأنه أراد أن تكون رسالة الفيلم هي أن العلم والدين يمكن أن يتعايشا بدلاً من أن يكونا معسكرين متعارضين.

لكن، في عام 2022 صار الجدل أكثر جدية بكثير، إذ انتقل من شاشات السينما إلى أرض الواقع. منذ عام 2022 بدأت لجان في مجلس النواب ومجلس الشيوخ بعقد جلسات علنية استدعت خلالها مسؤولين عسكريين واستخباراتيين وطيارين سابقين للإدلاء بشهاداتهم حول مشاهدات لأجسام جوية غير معروفة أظهرت خصائص حركية غير مألوفة. وقد ازدادت أهمية هذه الجلسات بصورة لافتة خلال عام 2023 عندما أدلى الضابط السابق في الاستخبارات الأمريكية ديفيد غروش في يوليو 2023 بشهادة أمام الكونغرس أثارت اهتمامًا عالميًا، إذ زعم أن الحكومة الأمريكية تحتفظ منذ عقود ببرامج سرية تهدف إلى استعادة ودراسة مركبات غير بشرية، بل وأشار إلى امتلاك مواد بيولوجية مرتبطة بهذه الحوادث، وهي ادعاءات لم تُقدَّم بشأنها أدلة علنية حاسمة حتى الآن. ومع أن كثيرًا من الشهادات المقدمة لم تثبت بصورة قاطعة وجود حضارات فضائية أو مركبات قادمة من خارج الأرض، فإنها كشفت عن وجود قلق متزايد داخل المؤسسات الأمنية الأمريكية بشأن أجسام وأحداث جوية لا تستطيع الأنظمة الحالية تفسيرها بسهولة.

لكن، الأمر هنا ليس مجرد قضية تتعلق بالأمن القومي والإشراف الديمقراطي على المؤسسات الحكومية. فالسؤال ليس تقنياً في جوهره، على الرغم من أن الأجهزة والرادارات والتسجيلات الحرارية تمثل جزءاً من الصورة. في عمقه هو سؤال قديم في حلة جديدة: هل نحن وحدنا؟ وإن لم نكن، فماذا يعني ذلك لكل ما نؤمن به؟

الإيمان المسيحي والعوالم الجديدة

السؤال عن الإيمان المسيحي والعوالم الفضائية ليس سؤالاً جديدًا، فقد بدأ في العصور الوسطى. لكنه، أصبح أكثر جدية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، حيث ظهر مصطلحات "اللاهوت الخارجي (أو بتعبير دراج: لاهوت العوالم الفضائية) Exotheology" و"اللاهوت الفضائي Astrotheology" لوصف دراسة الآثار اللاهوتية لوجود ذكاء خارج كوكب الأرض. تُشير "ويكيبديا" إشارة صحيحة أن أول كاتب مسيحي في العصر الحديث حاول معالجة المسألة هو سي أس لويس (1898-1963م) الذي طرح في مقالة في عام 1950م في مجلة كريستيان هيرالد إمكانية أن يتجسد ابن الله في عوالم أخرى، خارج كوكب الأرض.

افترض مُعظم اللاهوتيون عبر التاريخ المسيحي أن الإيمان المسيحي نشأ في سياق كوني محدد: الأرض مركز، الإنسان محور الكون، الخليقة صُنعت من أجله، وفيها ولأجله كان الوحي، والأنبياء، والتجسد، والفداء. ولقي الراهب الدومنيكاني والفلكي جيوردانو برونو في القرن السادس عشر لقي حتفه حرقًا بتهمة الهرطقة، ومن ضمن ما اعتُبر هرطقة إيمانه بوجود عوالم متعددة مسكونة.

لكن، ماذا إن تَغَيّر الأمر، ووُجدت كائنات عاقلة في مكان آخر، فهل خلقها الله أيضاً؟ الجواب المسيحي التقليدي لن يجد صعوبة كبيرة هنا: الله خالق كل شيء، وإن أبدع حضارات في مجرة أخرى فذلك لا يناقض الإيمان، بل ربما يضخم الإعجاز. لكن، السؤال الأشد حدة مختلف تماماً: هل هي مخلوقات ساقطة كما نحن؟ هل طالتها لعنة التمرد الكوني للإنسان حيث سقطت "كل الخليقة"؟  هل اشتركت تلك الكائنات في التمرد والسقوط؟ والأهم من ذلك، هل تحتاج إلى الفداء؟ وكيف يتسع حدث "التجسد" التاريخي، الذي وقع في قرية صغيرة في الشرق الأوسط على كوكب الأرض، ليشمل عوالم تبعد عنا ملايين السنوات الضوئية؟ هل "الكلمة" (اللوغوس) أخذ جسداً فضائياً هناك كما أخذ جسداً بشرياً هنا ليصالحهم مع الآب، أم أن كفارة المسيح الكونية تمتد تأثيراتها عبر المجرات بطرق لا ندركها، كما يلمح الرسول بولس في رسالته إلى كولوسي عن "مصالحة كل الأشياء" (1: 20)؟ من ناحية أخرى، قدم سي إس لويس جانبًا آخر من المسألة. في مقاله "الدين وعلم الصواريخ" تساءل ماذا لو لم تكن تلك الكائنات ساقطة مثل الإنسان؟ وماذا لو كان الإنسان هو الطرف الوحيد "المتمرد" في الكون؟ هنا يظهر انقلاب في الفكرة: ليس نحن من يجب أن يخشى الكائنات الفضائية، بل هم فحين يصل البشر إلى عوالم أخرى سيجلبون معهم خطيئتهم. الكائنات الأخرى، إن وُجدت ولم تكن ساقطة كما نحن، ربما تكون في حالة من النقاء يتعذر علينا تخيله الآن، سينقل لهم البشر مرض الخطية.

الخوف الحقيقي

في طفولتي كنت محظوظًا كفاية إذ امتلكت بيوت جداتي شرفاتٍ تطل على اتساعٍ لا يُشبه شيئًا آخر. لم تكن مجرد اطلالة كونية، بل كانت أشبه بعتبة بين عالمين، أرض صلبة خلفي، وسماء بلا نهاية أمامي. كنت أستلقي لساعات طويلة، أرفع بصري إلى الأعلى كمن يحاول فك شفرة قديمة جدًا، محاولاً تحديد المجموعات النجمية: الدب الأكبر، الدب الأصغر، أوريون (الصياد)، وغيرها. لم يقلقني قط السؤال حول هوية الكائنات الفضائية إن وُجدت، كان يبدو سؤالًا يمكن تأجيله بلا خسارة كبيرة. لكن دائمًا أقلقني السؤال حول الهوية الإنسانية. إن كنا نتشارك الكون مع حضارات أقدم منا بملايين السنين وأذكى بما لا يُقاس، فما قيمة ما بنيناه؟ ما معنى تاريخنا، حروبنا، إنجازاتنا، الكتب التي كتبناها والكاتدرائيات التي شيدناها؟ ما معنى أن نكون بشرًا في الإساس؟ فقد بنينا هوتينا على أساس تفردنا ومركزتينا.

أحيانًا كان يتسلل إليّ تصور مزعج، لكنه مغرٍ في الوقت نفسه. ماذا لو كنا مجرد طبقة متأخرة في تاريخ كوني طويل؟ ماذا لو وُجدت حضارات سبقتنا بملايين السنين، تجاوزتنا في المعرفة كما نتجاوز نحن طفلًا يتعلم أولى الكلمات؟ عندها تتغير الأسئلة كلها دفعة واحدة. لا يعود السؤال: هل نحن وحدنا؟ بل: ما الذي تبقى من قيمة ما نفعله إن لم نكن في المركز أصلًا؟

اللاهوت هو أكثر رحابة

السؤال حول الهوية الإنسانية هو سؤال مشروع. فالسؤال عن إن كانت كائنات العوالم الأخرى تحتاج إلى فداء، ليس شأنًا خاصًا بنا، بل شأن خاص بالله، لكن ما يُخصنا هو حقيقة هويتنا. إن السؤال الأسهل الذي يقدمه سارتر هو ببساطة أن وجودنا يسبق ماهيتنا. لكن ربما الإجابة المسيحية هنا لها ثقل خاص: الإنسان لم يُمنح قيمته لأنه الأذكى أو الأقوى، بل لأنه محبوب. الحب لا يتناقص بتعدد موضوعاته. الله في المنظور المسيحي ليس محباً بالتوزيع، كأن تُقسم العاطفة على عدد أكبر فتضعف. حضور عوالم أخرى، إن ثبت، لا يسلب الإنسان موقعه في قلب خالقه. نحن نستمد هويتنا لأننا مخلوقين على صورة الله، وإن خُلق آخرين في عوالم أخرى أيضًا على صورته، فهذا لا يتنقص قط من صورتنا.

يُعطينا اللاهوت المسيحي إجابة لسؤال عدم مركزية الانسان، فهويتنا لا تفقد معناها، بل نجبر فقط على إعادة ترتيب مركزنا. ليس كل ما بنيناه ينهار، لكن طريقة قراءته تتغير. نحن لسنا المركز: لكن عمل الله لنا هو "المركز"، هو الذي يؤكد أننا مهمون بالقدر الذي ظنناه دائمًا.

هنا، يُمكن أن يفتح اللاهوت أفقاً أكثر رحابة. يُقول بول تيليش في عمله "اللاهوت النظامي": "التجسد فريد بالنسبة للجماعة الخاصة التي يحدث فيها، لكنه ليس فريدًا بالمعنى الذي يستبعد إمكانيات تجسدات منفردة أخرى لعوالم مفردة مختلفة. لا يحق للإنسان أن يدّعي أن اللامتناهي قد دخل إلى المتناهي ليغلب اغترابه الوجودي داخل البشرية وحدها. كما لا يمكنه أن يزعم أنه يحتل الموضع الوحيد الممكن للتجسد."

لكن، يُمكن النظر إلى بُعد أخرى. فبدلاً من حصر التجسد في حدود بيولوجية ضيقة، يمكننا النظر إليه كـ "حدث كوني-تاريخي"؛ فالمسيح، بكونه "اللوغوس" (الكلمة) الذي به كُوّن الكون، لا يتجزأ حضوره. فالتجسد ليس مجرد حادثة جغرافية، بل هو حديث "كوني" فيه اختراق إلهي للمادة ذاتها لربط الخليقة بالخالق. في هذا السياق، قد لا نحتاج لتعدد التجسدات البيولوجية حتى إذا لم يكن هناك "تعدد في السقوط" (رو 8: 22)؛ فربما تكون الأرض هي "المستشفى" الذي دخل فيه الطبيب الإلهي ليشفي مرض الكون كله. ومثلما يُشير أليكسي نِستروك وألكسندر سولداتوف فأيُّ اقتراحات تتعلق بتعدد التجسدات للوغوس في عوالم مختلفة تبدو بمثابة ممارسة لنوعٍ قوي من المركزية الإنسانية القائمة على فكرة التجسد في الصورة البشرية، وهي مقبولة من الناحية المعرفية، لكنها غير مقبولة من الناحية الأنطولوجية فعمل المسيح هو حدث كوني تم على الأرض لكنه فاعل في الخليقة كلها.

تكشف السردية المسيحية على وضع أنطولوجي للإنسان لا مثيل له في أي وجود آخر. فماهية الإنسان تسبق وجوده، وتكتسب واقعًا أصيلاً من خلال الكمال الإنساني الذي تحقق في المسيح يسوع. مما يجعل من الإنسان كائن مُتسامي، في وجوده وغايته النهاية بصورة تتجاوز الواقع المادي. وبالتالي فما يميز الإنسان من خلال العقيدة الخريستولوجية المستقيمة هي أنه مجال محبة الله واتحاده به من جانب ومن جانب آخر هو الغاية والنهاية للإنسان. هذا يعني أن ما يميز الإنسان بحق ليس مركزيته المزعومة، أو قدرته الخاصة، أو عقلانيته؛ لكن عطية ونعمة "الصورة الإلهية" وهي تمثل القياس والغاية من وجود الإنسان. وفوق ذلك، تظل "صورة الله" ليست صفة بيولوجية حصرية فهي ليست العقل أو الشكل الخارجي، بل هي "القدرة على الشركة والمحبة" مع الله ومع الآخرين، مما يجعل مفهوم الأخوة الكونية متاحاً لكل كائن عاقل يدرك خالقه، محولين لاهوتنا من "لاهوت النوع" إلى "لاهوت الشركة" الذي لا يحده مكان أو كوكب. 

إرسال تعليق

أحدث أقدم