تُمثل
ظاهرة "الشيخ" نبيل نعيم عبد الفتاح إحدى أكثر الحالات استثنائية في
مسار شخوص حركات الإسلام السياسي، ولاسيما داخل تيارات السلفية الجهادية والعنف
المُسلح. في تاريخ حركات العنف السياسي، نادراً ما يتاح لفاعل داخلي أن يُعيد كتابة
سيرته بنفسه، أمام الجمهور العام -وعلى مدى سنوات طوال- دون أن يخضع لتدقيق منهجي صارم
أو مساءلة تاريخية دقيقة.
تُمثّل
ظاهرة نبيل نعيم استثناءً لافتاً في هذا السياق؛ فبينما لا يُمكن إغفال دور نبيل
نعيم كونه شاهدًا حيًا وفاعلاً رئيسًا في أخطر المحطات التي صاغت خريطة الإرهاب
العالمي والمحلي، لكن في ذات الوقت تتجلى فجوة واسعة بين وقائع سيرته المؤكدة وبين
الرواية الذاتية التي يسردها عن نفسه عبر الفضائيات ووسائل الإعلام.
"أسطرة"
السيرة الذاتية
حرص
الشيخ نبيل أو كما عُرف باسمه الحركي في الثمانينات "أبو يوسف" بعد خروجه من السجن إثر ثورة 25 يناير 2011، على إعادة
هندسة تاريخه ليُقدم نفسه في صورة أقرب إلى "المُنظر العقلاني" الذي
طالما حذر من مغبة الانزلاق نحو التكفير الأعمى والعمليات العشوائية، كما قدم نفسه
أيضًا بوصفه ناقدًا داخليًا للحركات الإسلامية، وحارس "النقاء الثوري"
الذي حذر من الاختراقات الاستخباراتية وتغول جماعة الإخوان المسلمين.
وعبر
السنوات الخمسة عشر رَوَجَ فيها الشيخ نبيل وهندس سردية أسطورته الذاتية من خلال
عشرات اللقاءات المُتلفزة والمقروءة. يُمكن رصد أبرز ملامح هذه السردية التي ظل
يكررها بوصفها نقاطًا مركزية في تاريخه.
الجهاد
المحلي
يُشير
الشيخ نبيل -المولود عام 1956م- أنه تتلمذ على يد "محمد سالم الرحال" الذي يُقدمه بوصفه المؤسس الفكري لتنظيم
الجهاد. ويذهب إلى حد القول أن "الرحال" وضع بحثاً فكرياً كان يتداوله الشباب،
وقام لاحقاً "محمد عبد السلام فرج" بأخذ هذا البحث وصياغته في كتيب يحمل
اسم "الفريضة الغائبة"، والذي أصبح المرجعية الفكرية والعقائدية لتنظيم الجهاد.
كما ينسب نعيم لنفسه أنه الشخص الذي
وفر الذخيرة (الطلقات) لمنفذي عملية اغتيال
الرئيس الراحل أنور السادات، حيث حصل عليها من صديق له يعمل ضابطاً في الجيش يُدعى
عصام
القمري. ووفقًا لروايته، أنه
كان من الرعيل الأول البارز في تنظيم الجهاد، وقد
تدرج في المناصب حتى
تولى قيادة حركة الجهاد الإسلامي المصرية فعلياً
في الفترة ما بين عامي 1988 و1992.
حرص
نبيل نعيم على التفرقة بوضوح بين تنظيمه (الجهاد)
وبين الجماعة الإسلامية، موضحاً أن مقر الجماعة الإسلامية ونشأتها ونشاطها كان
يتركز في محافظة أسيوط، بينما تركزت جماعات أخرى مثل تنظيم الجهاد وجماعة التكفير
والهجرة في القاهرة. واعترف صراحة
أن منزله كان يشكل المخزن الرئيسي لترسانة الأسلحة والذخيرة التابعة لتنظيم
الجهاد، وأن أيمن الظواهري هو من كان يتولى جلب هذه الذخائر وتخزينها لديه شخصياً.
أيضًا،
يذكر
نعيم أنه خلال فترات سجنه، جلس مع قادة التنظيم
لعمل "تقييم للتجربة"، وخلصوا إلى أن ما فعلوه من حمل للسلاح كان خطأً
فادحاً من الناحية الشرعية والعسكرية والحركية. وبناءً على ذلك،
قاد نعيم لاحقاً المراجعات الفكرية لتنظيم الجهاد داخل السجون، وكتب وثيقة رسمية
أعلن فيها تخليه التام عن العنف ضد الدولة.
من
الجهاد المحلي إلى تنظيم القاعدة
يُسهب
الشيخ نبيل في سرد علاقته بكل من أيمن الظواهري وأسامة بن لادن. ويشير أن معرفته بأيمن الظواهري بدأت في عام 1978 أو 1979. في ذلك الوقت، تعرض
نبيل نعيم لاعتداء بالسيوف من قبل جماعات "التكفير" بسبب خلاف، مما أدى
إلى إصابات بالغة وقطع في أذنه ويده، فقام "محمد سالم الرحال" بأخذه إلى
الدكتور أيمن الظواهري (والذي كان يعمل جراحاً) ليكمل علاجه الطبي، ومن هنا بدأت
صداقتهما. تطورت
العلاقة بينهما ليصبحا
أصدقاء مقربين جداً. وكان
الظواهري يشاركه أفكاره وتوجهاته وأحلامه. وقد سكنا معاً
في أفغانستان (في بيشاور) في فيلا سرية وفرها تاجر
مخدرات كبير كان الظواهري يشرف على علاجه. ويروى
نعيم أنه ومحمد سالم الرحال كانا يخبئان أسلحة،
ولما قُبض على الرحال، قاما بنقل السلاح إلى عند الظواهري لحمايته. ولكن عندما قُبض على
الظواهري، اعترف في التحقيقات وأرشد الأمن عن مكان مخزن السلاح. كما صرح نعيم في موضع
آخر أن الظواهري أرشد الأمن عن مكانه مما أدى للقبض عليه، ورغم ذلك ظل يحترمه على
المستوى الإنساني. وبعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، حاول
الظواهري التواصل مع نعيم عبر الكمبيوتر
، لكن نعيم رفض خوفاً من المراقبة الأمنية.
وفي
إطار علاقته بأسامة بن لادن، يزعم نعيم أنه التقى بأسامة
بن لادن لأول مرة في باكستان حوالي عام 1980. وفي أفغانستان، بحسب رواية
نعيم كان نعيم من أشهر القادة العرب هناك،
وكان يُعتبر الرجل الثاني في القيادة مباشرة بعد أيمن الظواهري، وذلك قبل أن يلتف
المقاتلون العرب حول أسامة بن لادن وتتأسس "القاعدة." كما
يؤكد نعيم في شهاداته أنه لعب دوراً قيادياً
ميدانياً بالغ الأهمية مع بن لادن، حيث كان مسؤولاً عن إدارة وتأهيل معسكر يعرف بـ
"معسكر جهاد وال"، وبحسب نعيم كان هذا المعسكر
يضم تجميعاً لحوالي 80 إلى 90 مقاتلاً متدرباً، بالإضافة إلى طاقم إداري يقدر
بعشرين فرداً.
ووفقًا
لشهادة نعيم، فعبد
الله عزام قرر قطع التمويل عن معسكرات المجاهدين
لتنامي نفوذ المصريين فيها، مما تسبب في أزمة مالية خانقة، مما دفع بأيمن الظواهري
بتكليف نبيل نعيم وشخصية محورية أخرى تُدعى "أبو
عبيدة البنشيري" (علي الرشيدي، وهو مصري وكان
القائد العسكري الأول للقاعدة لاحقاً)، بالسفر مباشرة إلى مدينة جدة في المملكة
العربية السعودية لمقابلة أسامة بن لادن الشاب.
كما يزعم نعيم أنه كان شاهد عيان
على تخطيط بن لادن لأحداث 11 سبتمبر. ويروي أن بن لادن، كرد فعل
على قصف أمريكا للعراق، جمع حوالي 200 مقاتل في معسكرات أفغانستان وطلب متطوعين
لعمليات انتحارية، فرفع الجميع أيديهم. من هؤلاء، اختار بن لادن المجموعة
المنفذة (منهم محمد عطا)، وتكفل بتسفيرهم إلى ألمانيا لتعلم الطيران بأمواله. ويضيف، أنه أثناء أحداث الحادي عشر من سبتمبر كان في
باكستان. ويضيف
نعيم، في سرد يعكس اطلاعه على كواليس التدريب،
أن هؤلاء المتطوعين أُرسلوا إلى ألمانيا، حيث تكفل بن لادن بمصاريف التحاقهم
بمدارس ومعهد لتعليم الطيران.
ويروي نعيم نقلاً عن مدرب الطيران الخاص بمحمد عطا
(قائد مجموعة 11 سبتمبر)، أن المدرب كان ينبه عطا مراراً بأن الأهم في الطيران هو
القدرة على الهبوط، فرد عليه عطا بثبات: "لا تخف، أنا لست ناوياً على
الهبوط"، وهي جملة لم يفهم المدرب مغزاها المروع إلا عندما شاهد الطائرات
تصطدم ببرجي مركز التجارة العالمي.
السيرة
المؤكدة
لا
يمكن فهم سرديات نبيل نعيم بمعزل عن اللحظة التاريخية التي أنتجته. تتفق المصادر
المتنوعة والمُتاحة، بما فيها ما يقوله نبيل نعيم عن نفسه، أنه من مواليد القاهرة
1956. خرج من كلية دار العلوم (جامعة القاهرة،
خلفية شرعية إسلامية). عمل في التجارة، وأصول عائلته تعود إلى تجار "وكالة
البلح" الشهيرة في القاهرة. تعرف
الي الجماعة الإسلامية حينما كان مسجونًا
جنائيًا في السبعينيات عن طريق المسجونين من الفتية العسكرية،
وانضم لجماعة اسمها "براءة"
وهي جماعة تكفيرية مجهولة، وتعرض لمحاولة اغتيال
من أعضائها حين انشق عنها.
تعرف إلى محمد سالم الرحال، وكمال السعيد حبيب، وعصام قمري. وانضم
إلى الجماعات جهادية مصرية في السبعينيات والثمانينيات، وارتبط بجماعة الجهاد
الإسلامي. واعتُقل أول مرة بعد اغتيال السادات (1981)، في قضية
"الجهاد الكبرى" وأفرج عنه عام 1988. وبعد
خروجه عمل مع تنظيم الجهاد في أعمال التجنيد والتسفير إلى أفغانستان، وقبض
عليه ومعه وثائق مزورة عام 1991، وبقي في السجن
حتى الإفراج عنه بعد ثورة 25 يناير 2011 (حوالي 20 عاماً متقطعاً). وفي منتصف التسعينيات وتحت وطأة الواقع الأمني الصارم للاعتقال،
ومع بروز تيار المراجعات الفكرية لجماعات العنف (مثل
مبادرة الجماعة الإسلامية عام 1997)، حاول نبيل نعيم في مطلع الألفية الجديدة
تقديم مساهمة لإنقاذ ما تبقى من شباب تنظيم الجهاد. فاشترك مع
قيادي آخر يدعى إسماعيل نصر في صياغة وثيقة تتخلى صراحة عن تبني العنف تجاه مؤسسات
الدولة المصرية. ومع ذلك، أثبتت الوقائع التاريخية أن مبادرة نعيم وكتابه باءا
بفشل ذريع، ولم يَحظيا بأي دعم يُذكر داخل قواعد التنظيم في السجون أو خارجها.
يعود السبب الجوهري لهذا الفشل، أنه تم اعتباره
غير مؤهل علميًا وشرعيًا.
نشأة الحركات الجهادية
في مصر
تشير الأدبيات المتخصصة
إلى أن نشأة تنظيم الجهاد في مصر كانت أكثر تعقيدًا من الرواية التي يطرحها نعيم، إذ
لم يكن محمد سالم الرحال هو المؤسس الوحيد لتنظيم الجهاد، لكنه
عمل كحلقة وصل بين أبرز المجموعات الجهادية كالتي
كونها أيمن الظواهري، وعصام قمري، وغيرها. وبحسب وثيقة بعنوان "حتى لا ننسى إخواننا
ممن سبقونا على درب الجهاد" وهي أحد الوثائق التي تم العثور عليها في مجمع
أبوت آباد عند قتل أسامة بن لادن ونشرتها
السي آي إيه، فقد تم القبض على محمد سالم
الرحال وترحيله من مصر في يناير عام 1981
إلى الأردن. وتعتبر مجموعة أيمن الظواهري والتي يعود
تأسيسها إلى عام 1966 هي
أقدم المجموعات الجهادية، وذلك قبل مجيء محمد
سالم الرحال (وهو فلسطيني أردني) إلى
مصر في السبعينيات. أيضًا في
مذكرات منسوبة للرحال نفسه، أشار أنه نُسب إليه
تأسيس تنظيم الجهاد وفكرة اغتيال السادات لكن أيًا منهما ليس صحيحًا وإنما كان
بسبب اعترافات خالد الإسلامبولي. ويبدو هنا، أن تلك الاعترافات هي المصدر الذي
استمد منه الشيخ نعيم معلوماته، وليس من الرحال نفسه.
أيضًا، لا توجد أي
إشارة في مصادر الجماعات الجهادية أو الدراسات التي تمت عليها إلى ذلك البحث الذي
أشار الشيخ نعيم أن الرحال قد أتمه وعنه نقل "محمد عبد السلام فرج"
كتابه "الفريضة الغائبة." لكن أشار الرحال نفسه في المذكرات
المنسوبة إليه والتي نشرها ممدوح الشيخ، أنه ألف
كتابًا بعنوان "العقيدة الإسلامية." من المؤكد أن كتاب
"الفريضة الغائبة" فد تأثر بأدبيات
"قطب" و"بن تيمية" الذي يعتمد فرج عليه في كتابه. وهو ما
يُشير إليه أيمن الظواهري في كتابه "فرسان
تحت راية النبي" أن جماعات الجهاد قد
تأثرت بكل من سيد قطب وبن تيمية. وقد كان لفرج الفضل في
التوحيد الفكري للجماعة الإسلامية وجماعة الجهاد
في مصر وحتى منتصف التسعينيات.
ويُلاحظ كذلك غياب اسم
نبيل نعيم في بعض المصادر الجهادية الأساسية، بما في ذلك كتابات أيمن الظواهري،
وهو ما يطرح تساؤلات حول حجم الدور الذي ينسبه لنفسه. فالظواهري في كتابه "فرسان تحت راية
النبي" بينما يؤرخ لبداية حركات الجهاد في مصر وعملها حتى اغتيال السادات، فهو
لا يأتي على ذكر "نبيل نعيم" نهائيًا مما يضع شكوك إذا كان علاقة
"نعيم" بالظواهري هي كما يصفها.
لكن، برز اسم نبيل نعيم في مطلع الألفية في السجن، كأمير للجماعة عندما حاول مع إسماعيل نصر صياغة وثيقة مراجعة، والتي أشرنا
إليها في السابق.
اغتيال السادات
تشير شهادات ووثائق متعددة،
منها ما أورده محمد
حسنين هيكل في كتابه "خريف الغضب"
أن عبد السلام فرج كان متأثرًا بكتابات أبو الأعلى المودودي في كتابه
"الفريضة الغائبة"، وقد ملأ صفحات الكتاب باستشهادات من أقوال كبار
الفقهاء المنادين بالجهاد، وخصوصًا بن تيمية. ويُضيف هيكل -وهو الذي أطلع على
تحقيقات القضية ومحاكماتها- أن فرج هو من جاء بالأسلحة، وخباءها "عبد الحميد
عبد السلام عبدالعال" في منزله. وقد وفر خالد الإسلامبولي إبر ضرب النار حيث
كان مسؤولاً عن الإبر التي نزعت من كل الأسلحة الموجودة في الوحدة. وفي حوار
خاص مع طارق الزمر شقيق عبود الزمر على
قناة النيل للأخبار سرد كواليس عملية اغتيال السادات دون أي ذكر لنبيل نعيم. وفي
لقاء نادر مع المستشار "عبد الغفار محمد"
قاضي قضية "الجهاد الكبرى" والذي نُشر في نوفمبر 2009، لا يذكر أي دور
لنبيل نعيم، رغم
أنه كان من المتهمين وسُجن 7 سنوات.
الجهاد العالمي
مثلما أشرنا في السابق،
لا يُوجد أي ذكر لاسم نبيل نعيم في كتابات أيمن الظواهري أو خطاباته المرئية
والمسموعة. كما أن روايته بشأن كونه أحد القيادات البارزة في تنظيم القاعدة، لا
يوجد ما يدعهما سواء في المصادر الاستخباراتية أو ملفات القاعدة نفسها مثل ملفات
آبوت أباد، وتقرير
الحادي عشر من سبتمبر، والمراكز البحثية
المتخصصة، وغيرها
من المصادر الأولية والثانوية، فلا يوجد أي ذكر لنبيل
نعيم نهائيًا. كما أن ادعاءه أنه كان موجودُا أثناء التخطيط لعملية الحادي عشر من
سبتمبر تتناقض مع كونه سجينًا في مصر من عام 1991 وحتى 2011 وهي الفترة التي أكدها
هو بنفسه، مما يستحيل معها وجوده في أفغانستان في ذلك الوقت. وبحسب المصادر
الاستخباراتية فمحمد
عطا لم يذهب الي أفغانستان قبل عام 1997، كما
أن من جند محمد عطا ورفقاؤه لم يكن الظواهري ولا بن لادن، بل العقل المخطط لعملية
الحادي عشر من سبتمبر خالد
شيخ محمد.
من المستبعد تمامًا أن
نبيل نعيم كان قائدًا بارزًا أو حتى متوسطًا في تنظيم القاعدة، دون أن يأت ذكره في
أيًا من المصادر التابعة للقاعدة أو المصادر الاستخباراتية. كما أنه من المستحيل
عمليًا أن يكون قد شهد أي تخطيط لعملية الحادي عشر من سبتمبر بينما كان يقبع في
السجون المصرية.
ما الذي يُمكن أن
نستنتجه؟
هذا المقال، ليس للحكم على
شخص نعيم أو إدانته، بل لقراءة ظاهرته قراءةً مُعمَّقة. إن التحليل الشامل لكافة
المعلومات المتاحة والمتقاطعة يثبت أن "نبيل نعيم" لم يكن يوماً مفكراً
إسلامياً عميقاً، بل كان بالأحرى "مقاولاً لوجستياً" يمتلك قدرة فائقة
على النجاة والمناورة في بيئات شديدة الخطورة، وقد برهن على استعداده
البراغماتي للتكيف مع موازين القوى المتغيرة.
يمكن
الاستعانة بما طرحه أنتوني غيدنز في كتابه المرجعي 'الحداثة والهوية الذاتية' أن الهوية في عالمنا المعاصر ليست معطىً
ثابتاً يتلقّاه الفرد، بل هي مشروع سردي دائم الإعادة والبناء. سعى نعيم باستمرار إلى
تقديم قصة حياته بصورة متماسكة ومعقولة لنفسه وللآخرين. هذا السعي إلى التماسك السردي
لا يقتضي بالضرورة أن تكون روايته مطابقةً للوقائع، بل يكفي أن تبدو مقنعةً وذات معنى
داخلياً. فبعد خروجه من السجن عام 2011، لم يكن أمام نعيم هوية جاهزة ومُستدامة: فهويّة
المجاهد السابق موصومة اجتماعياً وقانونياً، وكذلك هوية 'التائب' المستسلم منقوصة الشرعية
والتأثير. هنا، وقفت أمامه مهمة بناء هوية ثالثة: "الشاهد العارف الناقد من الداخل."
وهو ما سعى إلى بنائه عبر عشرات اللقاءات المتلفزة، بتوظيف تجربته الشخصية مادةً لإنتاج
خطاب مضاد للتطرف يمنحه حضوراً عاماً واسعاً. فإلى جانب كونه جهاديًا سابقًا
أمضى 27 عاماً من عمره في السجون، يحمل نعيم حصانة معنوية تجعله أهم أدوات النقد
وتفكيك بنية التطرف من الداخل، محتمياً بقوة الدولة التي دفع شبابه ثمناً لمحاولة
هدمها.
تلك "الأسطرة"
الذاتية التي يمارسها نعيم بوضع نفسه في قلب كل حدث كبير، من اغتيال السادات إلى تخطيط
أحداث الحادي عشر من سبتمبر ليست كذباً بسيطاً، بل هي صورة من صور آلية نفسية اجتماعية
معروفة في علم النفس تُعرَّف بـ'الذاكرة
الاستعادية البنّاءة'، حيث يُعيد
تشكيل ذكرياته تدريجياً لتتوافق مع الصورة
التي يريد تقديمها عن نفسه في اللحظة الراهنة، مما يؤكد على قدرة بارعة في فنون
البقاء.
لكن ماذا عن علاقته
بالدولة؟ من الراجح أن خروج نعيم فكريًا عن الحركات الجهادية كان أمرًا حقيقيًا. ميز
الباحثون دوناتيلا ديلا بورتا وجون
هورغان وآخرون 'الخروج من الحركات الاجتماعية' إلى
ثلاثة أنماط رئيسة: الخروج المُكرَه بفعل الضغط الأمني أو السجن، والخروج الفكري المقتنع
الذي يتضمّن مراجعةً حقيقية للمنطلقات، والخروج البراغماتي الذي يجمع بين التكيّف مع
الضغوط وإعادة التموضع في الفضاء الاجتماعي.
حالة نعيم تقع في منطقة
رمادية بين الأنماط الثلاثة، وهو ما يُفسّر التناقضات الملحوظة في خطابه. مراجعاته
الفكرية التي صاغها داخل السجن انطلقت في سياق أمني ضاغط، بعد فشل مسلّح وتراجع قواعد
التنظيم. ويبدو أن علاقته بالدولة كانت أكثر تعقيداً وتفاوضية مما يُوحي به خطابه الثوري.
وهو ما يُرجّح أن مسار "مراجعاته" لم يكن بمعزل كامل عن تسويات ضمنية مع
المؤسسة الأمنية التي عايشها طويلاً.
بالإضافة إلى ذلك، لا يمكن
قراءة حضور نعيم الإعلامي الواسع دون التساؤل: من الذي يُتيح هذا الحضور، ولماذا، وما
الذي يُريد قوله عبر هذا الصوت بالذات؟ الإجابة لا تلغي قيمة ما يقوله نعيم، بل
يجب الإشادة بقدرة الدولة على قلب شخص كان يؤدي دورًا في صناعة الإطار إلى فاعل
نشط في تفكيكه. في الواقع وبعيدًا عن "أسطرة" نبيل نعيم الذاتية، فيُمكن
القول بثقة أنه نجح في لعب دوره في تفكيك سرديات الإسلام السياسي وحركات التطرف. الخطأ
المزدوج الذي يجب تجنّبه في تقييم هذه الظاهرة هو: إما الاستسلام الساذج لسرديته الذاتية
واعتباره شاهداً موثوقاً كاملاً على التاريخ، أو إهدار ما يمتلكه من قيمة نقدية حقيقية
بسبب تضخيماته وادعاءاته. الحقيقة تقع في مكان أدق: رجل حمل ندوباً حقيقية من تجربة
حقيقية، يستخدمها الآن لبناء صورة تتجاوز ما هو عليه فعلاً، في سياق يخدم مصالح متشابكة
لم يكن بالضرورة طرفاً محايداً فيها.
